صديق الحسيني القنوجي البخاري
274
فتح البيان في مقاصد القرآن
وقال النحاس : والصواب عندي أنهما قراءتان حسنتان لأن اللّه تعالى لم ينزل كتابا إلا ليعمل بما فيه . وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ أي بما في الكتاب العزيز والسنة المطهرة لقوله تعالى : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [ الحشر : 7 ] ولقوله صلى اللّه عليه وسلم « ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه » « 1 » ، رواه أبو داود والدارمي وابن ماجة عن المقدام بن معد يكرب فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ الخارجون عن الطاعة ، وذكر الفسق هنا مناسب لأنه خروج عن أمر اللّه إذ تقدمه قوله : وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ وهو أمر ، قاله أبو حيان . وفي هذه الآية والآيتين المتقدمتين من الوعيد والتهديد ما لا يقادر قدره ، وقد تقدم أن هذه الآيات وإن نزلت في أهل الكتاب فليست مختصة بهم بل هي عامة لكل من لم يحكم بما أنزل اللّه اعتبارا بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ويدخل فيه السبب دخولا أوليا ، وفيها دلالة على اشتراط الاجتهاد في القضية وإشارة إلى ترك الحكم بالتقليد . فإن قلت إذا كان التخاصم ببلدة لا يوجد فيها مجتهد هل يجوز للخصمين الترافع إلى من بها من القضاة المقلدين ؟ . قلت : إذا كان يمكن وصولهما إلى قاض مجتهد لم يجز للمقلد أن يقضي بينهما بل يرشدهما إلى القاضي المجتهد أو يرفع القضية إليه ليحكم فيها بما أنزل اللّه أو بما أراه اللّه ، فإن كان الوصول إلى القاضي المجتهد متعذرا أو متعسرا فلا بأس بأن يتولى ذلك القاضي المقلد فصل خصوماتهما لكن يجب عليه أن لا يدعي علم ما ليس من شأنه ، فلا يقول صح أو لم يصح شرعا بل يقول قال إمامه كذا ويعرف الخصمين أنه لم يحكم بينهما إلا بما قاله الإمام الفلاني . في الحقيقة هو محكّم لا حاكم ، وقد ثبت التحكيم في هذه الشريعة المطهرة كما جاء ذلك في القرآن الكريم في شأن الزوجين ، وأنه يوكل الأمر إلى حكم من أهل الزوج وحكم من أهل المرأة وكما في قوله تعالى : يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ [ المائدة : 95 ] وكما وقع في زمن النبوة والصحابة في غير قضية ومن لم يجد ماء تيمم بالتراب ، والعور خير من العمى . ولا يغتر العاقل بما يزخرفه المقلدون ويموهون به على العامة من تعظيم شأن من يقلدونه ونشر فضائله ومناقبه ، والموازنة بينه وبين من يبلغ رتبة الاجتهاد في عصر هؤلاء المقلدين ، فإن هذا خروج عن محل النزاع ومغالطة قبيحة ، وما أسرع نفاقها
--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 2 / 129 .